الأنبياء يشهدون

دين واحد لجميع الأنبياء

يتناول المقال وحدة دين الأنبياء، ويناقش فكرة تطور الأديان وتحريف التوحيد عبر الزمن، مع أمثلة من قوم نوح والعرب والمسيحية وشعب الأنتيمورو.

دين واحد لجميع الأنبياء

تطور الدين: نهاية خرافة

في منتصف القرن التاسع عشر، حين نشر داروين كتابه «أصل الأنواع»، دفع الحماس للتطور البيولوجي بعض الأوساط

هربرت سبنسر
هربرت سبنسر

المادية والإلحادية إلى الاعتقاد بإمكان تفسير كل شيء بالتطور، بما في ذلك تاريخ الدين. فزعم مفكرون مثل هربرت سبنسر (1820–1903) أن البشر الأوائل لم يكن لهم دين، وأن بداياته كانت عبادة الموتى والأسلاف. وكانت أكثر الفرضيات رواجا في الأوساط المادية بأواخر القرن التاسع عشر فرضية عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد بيرنت تايلور (1832–1917). فبعد أن أدخل مصطلح «الأرواحية»، أي إضفاء أرواح إلهية على الطبيعة، قال إنها أول مراحل تطور الدين. واقترح تسلسلا يبدأ بالأرواحية، ثم عبادة الأسلاف، ثم تعدد الآلهة، وينتهي بالتوحيد بوصفه أكثر صور الدين «تطورا».
ولم تكن هذه إلا نظريات بلا وقائع تاريخية ثابتة، ولم تؤيدها معطيات أثرية. ومع قيامها على التخمين وحده، دافع الملحدون والماديون عنها بشراسة حتى مطلع القرن العشرين، حين أثبتت أبحاث جديدة بطلان تطور الدين.أظهر علماء أنثروبولوجيا كبار مثل أندرو لانغ وفيلهلم شميت أن الأديان لم تتطور، بل حُرّفت بمرور الزمن. فقد بيّنت دراسة الحضارات القديمة

برج بابل
برج بابل، 1563، متحف تاريخ الفن، فيينا.

والسجلات الأحفورية أنه حتى في أشد البيئات شركا ظل هناك إله أعلى، غالبا لا يُصوَّر، يُعترف به خالقا للعالم والبشر. وأظهر عالم الآشوريات الأمريكي ستيفن لانغدون (1876–1937)، بدراسته حضارات بلاد الرافدين القديمة، أن تاريخ الدين انحدار من التوحيد إلى الشرك، خلافا للمزاعم المادية. وقال: «تاريخ أقدم حضارة بشرية انحدار سريع من التوحيد إلى شرك شديد وإيمان واسع بالأرواح الشريرة». ستيفن هـ. لانغدون، «الأساطير السامية»، سلسلة أساطير جميع الأجناس، المجلد الخامس، المعهد الأثري الأمريكي، 1931، ص xviii.
ويضيف:
«تشير الأدلة بلا شك إلى توحيد أصلي؛ فالنقوش والآثار الأدبية لأقدم الشعوب السامية تدل على… التوحيد، وتدحض تماما الأصل الطوطمي للديانة العبرية وغيرها من الديانات السامية». ستيفن هـ. لانغدون، ذا سكوتسمان، 18 نوفمبر 1936.

الإسلام: دين جميع الأنبياء

مع تباعد أزمنة الأنبياء، واختلاف لغاتهم والشرائع التي أوحاها الله إليهم، تتجه رسالاتهم كلها إلى غاية واحدة، وهذه الرسالة ليست إلا الإسلام.
قد يقول بعضهم: ماذا؟ أتريدون إقناعنا بأن الناس قبل الإسلام كانوا يصلون خمس مرات يوميا ويصومون رمضان ويلتزمون شريعة القرآن؟
نجيب: إنكم تخلطون بين الإسلام عقيدة والإسلام شريعة.
الإسلام عقيدة هو ما دعا إليه جميع الأنبياء: الإيمان بالله وصفاته ووحدانيته، وبالأنبياء والملائكة والكتب المنزلة والقدر. فجميع أنبياء الله اشتركوا في الرسالة نفسها.

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِالقرآن — سُورَةُ الأَنبِيَاءِ (21:25)المصدر : QuranEnc.com — Arabic Quran text - QuranEnc arabic_text field — venglish_rwwad:1.0.19#arabic_text

لكن الله جعل لكل أمة شريعتها وشعائرها الخاصة. ويقول الله في القرآن:

وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَالقرآن — سُورَةُ المَائـِدَةِ (5:48)المصدر : QuranEnc.com — Arabic Quran text - QuranEnc arabic_text field — venglish_rwwad:1.0.19#arabic_text


وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَالقرآن — سُورَةُ الحَجِّ (22:34–35)المصدر : QuranEnc.com — Arabic Quran text - QuranEnc arabic_text field — venglish_rwwad:1.0.19#arabic_text

كيف حُرّف الدين الحق؟

تتنوع الأسباب التي تجعل أمة تعيش على التوحيد الخالص تهجره تدريجيا إلى معتقدات خرافية، من عبادة الأسلاف إلى عبادة الأصنام. وفيما يلي ثلاثة أمثلة لأقوام حُرّفت عقيدة نبيهم الصحيحة إلى اعتقاد مختلف تماما.

قوم نوح

ورد في الأثر أن بين آدم ونوح عشرة قرون، كانوا جميعا على الإسلام والتوحيد الخالص. وقد حُرّف هذا التوحيد على النحو التالي: كان فيما بين آدم ونوح علماء كثيرون، تميز منهم خمسة هم ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، كما ورد ذكرهم في سورة نوح.

سفينة نوح
تصور لما قد تكون عليه سفينة نوح عليه السلام.

بعد وفاة هؤلاء العلماء، وسوس الشيطان للناس أن يقيموا تماثيل لهم وفاء وتقديرا. وبعد أجيال، نسي الناس سبب صنعها، فألقى الشيطان إليهم فكرة جديدة: هؤلاء العلماء وسطاء بيننا وبين الله، فلا بد من التعبد لتماثيلهم لننال شفاعتهم عنده. وهكذا بدأ الناس يسجدون لها ويدعونها. ومرت أجيال حتى عُدّت الأصنام الخمسة آلهة حقيقية. عندها أرسل الله نبيه نوحا إلى القوم الذين أصبحوا مشركين، فدعاهم إلى العودة إلى الإيمان الصحيح، فكان جوابهم: «وقالوا:

وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗاالقرآن — سُورَةُ نُوحٍ (71:23)المصدر : QuranEnc.com — Arabic Quran text - QuranEnc arabic_text field — venglish_rwwad:1.0.19#arabic_text

العرب في الجاهلية

العرب العدنانيون، بخلاف القحطانيين، الذين عاشوا بمكة وما حولها، هم من ذرية النبي إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وقد أُرسل إسماعيل إلى القبائل العربية المحيطة بمكة وقبائل اليمن. وظل العرب بعد وفاته قرونا على التوحيد الخالص ودين إبراهيم. فكيف أصبحوا عند ظهور الإسلام قبائل مشركة، وكيف ضمت الكعبة التي بناها إبراهيم أكثر من ثلاثمئة صنم؟
يروي المؤرخون العرب أن انحراف الناس عن دين إبراهيم وقع خلال

أصنام
كان عمرو بن لحي أول مسؤول عن ظهور عبادة الأصنام في جزيرة العرب قبل الإسلام.

حكم خزاعة لمكة، واشتد هذا الانحراف حين تولى زعامة مكة رجل اسمه عمرو بن عامر بن لحي.
ويُروى أنه كان يكثر السفر إلى بلاد الشام، فأعجبته الآلهة المختلفة الموجودة في بلاد الرافدين، وقرر أن يأخذ بعضها إلى جزيرة العرب. وبسلطته فرض هذه الأصنام في مكة وقبائل عربية مختلفة. وقال فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار». رواه البخاري.
وهكذا اندثر دين إبراهيم تدريجيا، مع أن العرب الوثنيين ظلوا ينتسبون إليه. ويرد الله عليهم في القرآن:

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَالقرآن — سُورَةُ النَّحۡلِ (16:120)المصدر : QuranEnc.com — Arabic Quran text - QuranEnc arabic_text field — venglish_rwwad:1.0.19#arabic_text


انحراف المسيحية

يُعد مثال المسيحية من أوضح الأمثلة على تحول دين توحيدي خالص إلى اعتقاد يجمع بين الوثنية والتوحيد.
والنبي عيسى من أعظم رسل الله إلى البشرية؛ فهو في الإسلام من أولي العزم الخمسة، وهم إبراهيم ونوح وموسى وعيسى ومحمد، عليهم الصلاة والسلام.

بولس
بولس الطرسوسي.

كانت رسالة عيسى امتدادا لرسالات الأنبياء قبله؛ فدعا اليهود إلى التزام شريعة موسى وتجديد الإيمان بالله كما عرفه موسى والأنبياء. فكيف تحولت هذه العقيدة النقية إلى اعتقاد بأن المسيح نصف إنسان ونصف إله، وأنه مات من أجل «خطايانا»، وأن الله ثالوث من الآب والابن والروح القدس؟
كان المسيحيون الأوائل يهودا يؤمنون بالنبي عيسى، ويعتقدون أنه رسول الله ونبيه والمسيح المنتظر لبني إسرائيل. لكن دخول أوائل الوثنيين في المسيحية، وتعاليم يهود ذوي ثقافة هلنستية مثل بولس، شقّا المؤمنين إلى جماعتين: الناصريون، وهم يهود يؤمنون بعيسى ويلتزمون الشريعة؛ ومن جهة أخرى مسيحية ممزوجة بالوثنية، ظهرت أولا بتعاليم بولس، ثم بإدخال أفكار شائعة في الحضارات الوثنية آنذاك، كالثالوث وموت الإله والفداء. ويقول موشيه دافيد هير، أستاذ الدراسات اليهودية بجامعة القدس:
«كان ملكوت الله الذي بشّر به عيسى مختلفا حقا عن الكنيسة الجديدة التي نشأت بين موت بولس وعام 150، وأخذت تبتعد أكثر فأكثر عن أصلها داخل اليهودية. ولو عاد عيسى من الموت نحو عام 150، ونظر حوله ورأى ما صار إليه الدين الجديد عند أتباعه، بعدما أسسه بولس أولا ثم استمر تطوره، لأُغمي عليه على الأرجح، أو على الأقل لما تعرف إلى شيء منه».

مأساة الأنتيمورو

قصة الأنتيمورو مثال معاصر يوضح كيف يتدهور التوحيد الخالص بمرور الزمن والنسيان إلى وثنية خرافية. والأنتيمورو، أي «أهل الساحل»، إحدى المجموعات العرقية الثماني عشرة في مدغشقر، ويعيشون بمنطقة ماناكارا في الجنوب الشرقي، ومعظمهم مزارعون.
ويروي قصتهم الدكتور عبد الرحمن السميط، وهو طبيب

عبد الرحمن السميط
الدكتور عبد الرحمن السميط

كويتي يعمل في الإغاثة الإسلامية:
«في عام 1994، خلال زيارة لمدغشقر، علمنا بقرية صغيرة اسمها مكة. وقد أدهشني الاسم، فهو الاسم العربي لمكة، فعزمت على زيارتها. واحتجنا إلى رحلة طويلة إلى ماناكارا، ثم بالسيارة، ثم عبور بحيرة مليئة بالتماسيح. وعند وصولنا تحدثنا إلى بعض السكان، فقالوا إن جدهم من جدة، وهي مدينة في الشمال، وكان يعيش قربها رجل صالح اسمه محمد…»
وكانت شعائر هذه القبائل قريبة جدا من الإسلام؛ فهم يعظمون الجمعة، ولا يأكلون الخنزير، وقد بنوا كعبة في قرية يزورونها

الأنتيمورو
راماناسيترا كاريفو، أحد ملوك قبائل الأنتيمورو.

كل سنة. وكان كتابهم المقدس «سورابي»، المكتوب بالعربية، مزيجا من سور القرآن وقصص السحر وفنون العرافة.
وأظهرت الدراسات أن أصل الأنتيمورو يعود إلى هجرة مسلمة يُرجح أنها أقامت قبل ذلك في جزر القمر. فقد استقر أجدادهم القادمون من جزيرة العرب في الجزيرة قبل ثمانية قرون، وعلّموا أبناءهم أحكام القرآن والإسلام. وبمرور الزمن دخلت الخرافات والتحريفات معتقداتهم، فانحدرت من التوحيد الخالص إلى شرك بدائي.

توضح هذه الأمثلة كيف يمكن أن تتعرض عقيدة توحيدية خالصة للتحريف عبر الزمن، حتى تنحدر إلى صور مختلفة من الوثنية.