لماذا أرسل الله الأنبياء؟
لماذا يحتاج الإنسان إلى الأنبياء والوحي؟ يناقش المقال حدود العقل وأسئلة الوجود والموت ومعرفة الله، ويعرض دور الرسالة في الهداية وتربية النفوس.
حيرة الفلاسفة: البشرية تبحث عن جواب
منذ زمن بعيد، تناول عشرات الفلاسفة في مؤلفاتهم أسئلة ميتافيزيقية عديدة.
![]() وانتهى الفلاسفة والمفكرون الذين خاضوا في مسائل الغيب متجاهلين الوحي الإلهي إلى أقوال متباينة متناقضة. |
والتراث الذي تركوه لنا خليط من الحقائق والخرافات. فمن أتقن الفلسفات الهندية والرومانية واليونانية، وأحاط بتطور الفلسفة الإنسانية قديما وحديثا، سيظل مع ذلك أسير بحث حائر عن حقيقة مراوغة، وينجرف ذهنه في دوامة أفكار مشوشة وفرضيات خاطئة تتجاذبه وتبقيه في شك تام.
وسبب هذا التخبط والتناقض بسيط: يستطيع العقل البشري بسهولة أن يوقن بوجود الخالق وبعض صفاته، لكنه لا يتجاوز ذلك وحده. فالمنطق المجرد لا يستطيع معرفة جميع صفات الله، ولا الإجابة عن أسئلة: لماذا خلقنا الله؟ ولماذا يوجد الشر؟ وماذا بعد الموت؟ وغيرها مما لا يُعرف جوابه إلا بما أخبر به الأنبياء. ومن خاض هذه المسائل من الفلاسفة والمفكرين متجاهلا الوحي، انحصر في رؤيته الشخصية وأنتج أقوالا متباينة متناقضة، فصارت سيلا جارفا من التردد والشك يغمر أتباع فلسفاته.
ضرورة إرسال الأنبياء
ولهذا كانت بعثة الأنبياء ضرورة ملحّة جنبت البشرية كثيرا من العناء والتيه. وقد أدّى رسل الله ما أُنيط بهم من مهام بأمانة، فهدوا العقول وبلّغوا حقائق الإيمان بالله للأجيال المتعاقبة. وطريق هذا الإيمان سهل؛ فحين نتلقاه عن الأنبياء لا نكابد المسالك المرهقة التي تثقل الفكر في التأملات الفلسفية والتكهنات الميتافيزيقية.
لا نقبل من المعارف المادية إلا ما يخضع للمنطق التجريبي أو الرياضي، ولا نقبل من المعارف الغيبية إلا ما ينقله إلينا أنبياء ثبت لنا صدقهم بأدلتنا «المادية»، فنثق أفرادا وجماعات بما يبلغونه من هداية. ومتى أيدت الحجج القاطعة صدق نبي، كان كل ما أوحاه الله على يديه حقا خالصا لا يقبل التشكيك. وثقتنا نابعة من يقيننا بأنهم رسل أرسلهم الله، وأن كل ما يصدر عن الله هو الحق المطلق.
![]() لا نقبل من المعارف المادية إلا ما يخضع للمنطق التجريبي أو الرياضي، ولا نقبل من المعارف الغيبية إلا ما ينقله إلينا أنبياء ثبت لنا صدقهم. |
وما إن نبتعد عن هذا الطريق إلى معرفة الغيب، حتى ننزلق إلى خيال مخيف ونصبح فريسة للظنون التي ينهى عنها الإسلام، بل يحرمها، ويدعو إلى الإيمان القائم على اليقين:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).
﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾
﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (النجم: 28، 29، 30).
سبب وجودنا
لماذا أوجد؟ وماذا أفعل في هذا العالم؟ أسئلة ترد كثيرا على ذهن الإنسان في لحظات التأمل، لكنه مهما أطال التفكير فلن يصل إلى الجواب بمفرده. ويعبّر الناس عن حيرتهم بسؤالين:
هل نأكل لنعيش؟
أم نعيش لنأكل؟
يقول الله:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (محمد: 12).
لا تستطيع البشرية معرفة سبب وجودها دون علم وهداية من خالقها.
خالقنا
من خالقنا؟ وما الذي يرضيه عنا؟ وماذا يريد منا؟
هذه أسئلة حاسمة في مصير الإنسان. وهو يعلم أنه لم يخلق نفسه، وأنه مملوك لمن أوجده من العدم، ولن يعرف مراد خالقه منه إلا بعلم يأتيه منه.
يقول الله:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25).
الموت وما بعده
لماذا نموت، وماذا ينتظرنا بعد الموت؟ يدرك الإنسان أنه كان بالأمس طفلا صغيرا، وأنه سيغادر أحبابه غدا إلى مصير مجهول، ولا أحد يستطيع منع الموت عنه. ويدرك أنه لم يكن موجودا قبل مئة عام، وأنه سيغادر هذا العالم في أقل من قرن إلى عالم الغيب.
![]() ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 165). |
ولا يفسر له ما بعد الموت إلا رسالة من خالقه، ولا يخبره بأن يوما سيأتي تُحاسب فيه كل نفس بما عملت إلا رسالة من خالقه.
يقول الله:
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَوَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَالقرآن — سُورَةُ الجَاثِيَةِ (45:32–33)المصدر : QuranEnc.com — Arabic Quran text - QuranEnc arabic_text field — venglish_rwwad:1.0.19#arabic_text
وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰقُلۡ كُلّٞ مُّتَرَبِّصٞ فَتَرَبَّصُواْۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ أَصۡحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهۡتَدَىٰالقرآن — سُورَةُ طه (20:134–135)المصدر : QuranEnc.com — Arabic Quran text - QuranEnc arabic_text field — venglish_rwwad:1.0.19#arabic_text
حل مشكلاتنا كلها
إذا اشترى أحدنا جهازا واكتشف فيه خللا، فإلى من يرجع؟
إلى المصنّع بالطبع! ولن يخطر بباله لحظة أن يستشير من لا يعرف شيئا عنه.
فكيف يبحث الإنسان عن حل مشكلاته عند غير الله؟
ومن أعلم بالمخلوقات وأحرص على صلاحها من خالقها؟
![]() إذا أراد الإنسان حقا حل المشكلات التي تؤرق حياته اليومية، فلا سبيل له إلا التماسها في طريق الله. |
إذا أراد الإنسان حقا حل المشكلات التي تؤرق حياته اليومية، فلا سبيل له إلا التماسها في طريق الله؛ فخالقنا الذي خلق الكون هو وحده القادر على تقديم العلاج الناجع الحاسم لما ينشأ فيه من آفات.
وهنا يظهر دور الأنبياء أيضا: تبليغ الناس قواعد الحياة التي شرعها الله، والتي تمكنهم من عيش حياة أفضل.
لقد جاء محمد، خاتم الأنبياء، بشريعة كاملة تشمل شؤون الحياة كلها، من إدارة موارد الدولة إلى ما يفعله المرء حين يريد النوم.
تعليمنا الحكمة
ليست مهمة الأنبياء مجرد هداية العقول إلى الحقيقة، بل تربية أصحابهم والأجيال اللاحقة على مجموعة من المبادئ، قبل كل شيء.

التربية، كالذوق، لا تُكتسب من الكتب وحدها؛ وليست حشوا للمعلومات في الأذهان، ولا توجيها للحياة بأوامر عسكرية. والتربية الدينية التي اضطلع بها الأنبياء، وأحدثت منعطفات حاسمة في تاريخ البشرية، تهدف إلى تحول نفسي عميق يشبه ما وقع حين نفخ الله الروح في مخلوق من طين.
لم تتحول الشعوب الفاسدة في الجاهلية، المستغرقة في اللذات والحروب الداخلية الآثمة، بهذه السرعة إلى مسلمين أتقياء أمناء مستعدين للتضحية بالأنفس والأموال، إلا لأن نسمة رقيقة من الطهر النبوي لامست أرواحهم الغافلة المشرفة على الموت، فأعادت إليها الحياة والأمل.
ومن ثم فمهمة النبي إرشاد الأفراد والجماعات ومساعدتهم في جميع المجالات. يطهر قلوبهم بما يفيض عليها من صفاء، ويوقظ بحكمته النفوس النائمة، فيعيد إليها الحياة والأمل في كسب أتباع جدد. ولا نظير للنبوة في هذا المجال؛ ولا تستطيع الفلسفة، مهما كانت نتائجها مدهشة واستثنائية، أن تحقق تقدما مماثلا دون تعثر.
نماذج من الحكم النبوية
إلى جانب ما في القرآن من حكمة عظيمة، تنقل السنة آلاف الوصايا التي تقود الإنسان، إذا عمل بها، إلى الحكمة الحقيقية:
«ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة». (مسلم)
2. «إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله». (البخاري)
3. «ما أفضل الأعمال؟ أن تدخل السرور على قلب إنسان، وتطعم جائعا، وتعين مبتلى، وتفرّج كربة مكروب، وتخفف ألم مجروح». (البخاري)
4. «أفضل الجهاد جهاد النفس». (البخاري)
5. «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». (الترمذي)
6. «لما خلق الله الخلق كتب فوق عرشه: إن رحمتي تغلب غضبي». (البخاري ومسلم)
7. «إنما يرحم الله من عباده الرحماء». (أبو داود والترمذي)
8. قال النبي لأنس بن مالك: «يا بني، إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل؛ وذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني». (البخاري)
9. «قل الحق ولو كرهه الناس». (البيهقي)
10. «الرفق من الإيمان، ومن لا رفق له لا إيمان له». (مسلم)
11. «إذا نظر أحدكم إلى من فُضّل عليه في المال والخَلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه». (مسلم)
12. «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». (البخاري)
13. «اللهم ارزقني حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك. واجعل حبك أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي». (الترمذي)
14. «الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة. والكلام لطالب العلم خير من الصمت، والصمت خير من لغو الحديث». (البخاري)
15. «أن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع من طعام». (مسلم)
16. «من أحسن إلى الناس أحسن الله إليه. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». (أبو داود والترمذي)
17. «يشق على المثقل بالمال صعود الطريق الوعر المؤدي إلى السعادة». (مسلم)
18. «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك يؤذي الناس، فأخّره عن الطريق، فشكر الله له وغفر له». (البخاري)
19. «من العلماء؟ الذين يعملون بما علموا». (البخاري)
20. «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». (مسلم)
21. «من أحب الناس إلى الله؟ أنفعهم لخلقه». (البخاري)
22. «المسلم الحق يشكر الله في السراء ويرضى بقضائه في الضراء». (مسلم)
23. «المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي يعتزلهم ويتفرغ للتأمل». (مسلم)
24. «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». (مسلم)
25. «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». (مسلم)
26. «أفضل الغنى غنى النفس». (البخاري)
27. «إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». (أبو داود)
28. «كثرة الصمت وحسن الخلق، لا شيء أفضل منهما». (البخاري)
29. «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف». (مسلم)
30. «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». (البخاري)
31. «سُئل النبي: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله». (البخاري)
32. «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإن ذلك يحزنه». (البخاري ومسلم)
33. «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة». (البخاري)
34. «المسلمون كالبنيان يشد بعضه بعضا». (البخاري ومسلم)
35. «اجتهدوا دائما في التخلق بالفضيلة والتزام الصدق». (البخاري)
36. «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا». (مسلم)
37. «من أراد دخول الجنة من أفضل أبوابها، فليجتهد في إرضاء والديه». (البخاري ومسلم)
38. «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي». (مالك في الموطأ)
39. «إن الله وتر يحب الوتر». (مسلم)
40. «أفضل الصدقة ما أعطته اليمين حتى لا تعلم الشمال ما تنفق». (البخاري)
41. «ليس المسلم الكامل من يشبع وجاره جائع». (البيهقي)
42. «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، وليس منا من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر». (الترمذي)
43. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». (البخاري ومسلم)
44. «الجهاد في سبيل الله من الصباح إلى المساء خير من الدنيا وما فيها من متاع ولذات». (البخاري)
45. «لا تكونوا كالمنافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». (البخاري ومسلم)
46. «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». (الترمذي)
47. «ألا أخبركم بأفضل من الصدقة والصيام والصلاة؟ إصلاح ذات البين؛ فإن الخصومات والأحقاد تهلك الناس». (مسلم والبخاري)
48. «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا». (البخاري)
49. «ما لي وللدنيا! إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة، ثم قام فواصل سيره». (الترمذي)



